محمد أبو زهرة
1889
زهرة التفاسير
يؤكد المعنى في النفس أفضل تأكيد ، وقد قال الزمخشري إن لفظ « أن » يحتمل أن تكون أن فيه مصدرية ، والمعنى : وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم بتقوى الله سبحانه وتعالى . والتعبير بالمصدر المؤول المنسبك من « أن » وما يليها فيه توكيد لمعنى المصدرية ؛ إذ فيه تصوير واضح للفعل والقيام به ، وإن قوله تعالى و إِيَّاكُمْ هو من قبيل عطف الضمير على الاسم الظاهر ، فيكون في موضع النصب ، ولذلك انفصل الضمير . وقد أكد سبحانه وتعالى وصيته الخالدة ببيان نتيجة مخالفتها ، وأنها لمنفعة العبادة ، فقال سبحانه : وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وإن الأمر بالتقوى فيه خيركم ، إذ فيه سلامة اعتقادكم ، واطمئنان قلوبكم ؛ وصلاح جموعكم ، ومنع الفساد في الأرض ، وإن جحدتم أوامر الله تعالى ، ولم تعبدوه وحده ، وتخشوه حق الخشية ، فستفسد أموركم أنتم ، ولن يضر الله منكم شئ ؛ لأنه مالككم ، ومالك كل ما في السماوات والأرض ، وهو بهذا الملك الظاهر والسلطان القاهر ، يستغنى عن تقواكم ، وهو المستحق للحمد الدائم ، والمحمود في ذاته وشرائعه وأوامره ونواهيه وفي إنشائه وإبداعه ، فلا يضيره كفر الكافر ، ولا ينقص من سلطانه فجور الفاجر ؛ لأن الجميع في قبضة يده وتحت سلطانه . ولقد قال ابن جرير الطبري في معنى هذه الآية الكريمة : « وإن تجحدوا وصيته إياكم فتخالفوها فإن لله ما في السماوات وما في الأرض . يقول فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم ، ولا تعدون في كفركم هذا أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى في نزول عقوبته بكم ، وحلول غضبه عليكم ، كما حل بهم ، إذ بدلوا عهده ، ونقضوا ميثاقه ، فغير بهم ما كانوا فيه من خفض العيش ، وأمن السرب ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وذلك أن له ملك جميع ما حوته السماوات والأرض ، لا يمتنع عليه شئ أراد تجميعه . . من إعزاز من أراد إعزازه ، وإذلال من أراد إذلاله » .